الشيخ محمد النهاوندي
527
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
أصحابه وآخر من خرج من أصحاب موسى - أمر اللّه عزّ وجلّ الرياح فضربت البحر بعضه ببعض ، فأقبل الماء يقع عليهم مثل الجبال ، فقال فرعون عند ذلك : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ الخبر « 1 » . وعنه عليه السّلام « أنّ قوما ممّن آمن بموسى عليه السّلام قالوا : لو أتينا عسكر فرعون وكنّا فيه ونلنا من دنياه ، فإذا كان الذي نرجوه من ظهور موسى عليه السّلام ، صرنا إليه ، ففعلوا فلمّا توجّه موسى عليه السّلام ومن معه [ إلى البحر ] هاربين من فرعون ، ركبوا دوابهم ، وأسرعوا في السير ليلحقوا بموسى عليه السّلام وعسكره فيكونوا معهم ، فبعث اللّه عزّ وجلّ ملكا فضرب وجوه دوابّهم ، فردّهم إلى عسكر فرعون ، فكانوا في من غرق مع فرعون « 2 » . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من معاجز موسى عليه السّلام ، وغلبته على فرعون ، وإنجائه من الغرق وإهلاك أعدائه لَآيَةً ظاهرة ودلالة واضحة على وحدانية اللّه وكمال قدرته وحكمته ، وعبرة عظيمة للمعتبرين ممّن شاهد الوقائع ، ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة وسمعوهان فيدخل فيهم قريش الذين سمعوها من النبي صلّى اللّه عليه وآله الذي كان أميا لم يسمعها من أحد ولم يقرأها في كتاب ، ولذا كان إخباره بها من الإخبار بالمغيبات ، ومن أظهر المعجزات ، وَ مع ذلك ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وقيل : إنّ ضمير الجمع راجع إلى القبط ، وما آمن منهم إلّا خربيل أو حزقيل مؤمن آل فرعون ، وآسية زوجه فرعون ، ومريم بنت موشا « 3 » التي دلّت على عظام يوسف حين خروج موسى من مصر « 4 » . وقيل : إنّه راجع إلى عموم المصريين « 5 » ، أمّا القبط منهم ، فلمّا ذكر ، وأمّا بنو إسرائيل فلقولهم حين عبورهم على عبدة العجل : يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ « 6 » . وقيل : راجع إلى قوم نبينا الذين سمعوا منه قصة موسى وفرعون ، لعدم تدبّرهم فيها واعتبارهم بها حتى يحذروا من أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم فرعون « 7 » . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب عى ما أراد من تعذيب المكذبين الرَّحِيمُ بهم حيث يمهلهم ولا يعجّل في عقوبتهم ، أو بالمؤمنين . وفي الآيتين تسلية للنبي حيث إنّه كان يغتّم قلبه الشريف بتكذيب قومه مع ظهور معجزاته ، وعرّفه محنة موسى حتى يصبر كما صبر .
--> ( 1 ) . تفسير القمي 2 : 121 ، تفسير الصافي 4 : 38 ، والآية من سورة يونس : 10 / 90 . ( 2 ) . الكافي 5 : 109 / 13 ، تفسير الصافي 4 : 39 . ( 3 ) . في تفسير أبي السعود : يا موشا ، وفي تفسير روح البيان : ناموشا . ( 4 و 5 ) . تفسير أبي السعود 6 : 246 ، تفسير روح البيان 6 : 280 . ( 6 ) . الأعراف : 7 / 138 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 6 : 280 .